حيدر حب الله
39
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
ومنطق العقل الإنساني وتجربيّاته . وفي عالم الفكر والنظر والبحث كلّ الأفكار يجب أن يُتعامل معها كفرضيّات محتملة ويتعاطى معها بالاحترام العلمي ، مهما كانت ضعيفة من وجهة نظر الباحث ، فإنّ ضعف فكرة لا يوجب الاستهانة بها أو قذفها أو التعالي عليها ، فقد تعرّض السيد محمّد باقر الصدر للماركسيّة والمادية والإلحاد وكان يتسم في بحوثه بالأخلاقيّة العالية دون أن يستعمل كلمات نابية أو مهينة أو محقّرة ، بل كان منهجه هو منهج تقدير الفكرة ، بل والدفاع عنها حيث يمكن ، ثم نقدها بآليّات علميّة هادئة ، لا بمنطق الاستحالات ، أو عبر القول بأنّ هذا غير ممكن ، وهو باطل ، وفساده ممّا لا يختلف فيه اثنان ولا يتناطح فيه عنزان ( على حدّ تعبير الدكتور علي الوردي ) . فالبحث العلمي له قواعده وأخلاقيّاته ، وهو يختلف عن قواعد العمل التعبوي وأمثاله ، وإنّني أؤمن بأنّه مهما كانت الفكرة بعيدة عنّي وعن قناعاتي فإنّه يجب في مجال المعرفة أن يُتعامل معها بجدّية كما لو أنّها فكرة قريبة منّي ، وذلك لكي أستطيع إنصافها والعمل البحثي الموضوعي عليها والابتعاد عن الذاتيّة قدر الإمكان في الحكم عليها . وكم من فكرة أو فرضية أو نظرية عبر التاريخ كانت من الأفكار الضعيفة الهزيلة المهجورة المنبوذة في زمان ، لكنّها عادت وتحوّلت إلى حقيقة علميّة في زمان آخر ، وهذا المنطق موجود حتى في العلوم الإسلاميّة ، فبطلان المنهج العرفاني وآراء المتصوّفة عند كثير من أهل النصّ الديني يكاد يكون أوضح من البديهيات ، فيما فساد منهج أهل النصّ والأخبار وقصوره يكاد يكون أجلى من أيقن اليقينيات عند بعض أهل المعنى وهكذا .